محمد بن جرير الطبري
106
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بن عيسى القزاز ، قال : أخبرنا مالك . عن الزهري ، عن عروة ، عن عمرة ، عن عائشة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير وعمرة أن عائشة قالت : " إن رسول الله لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان ، وكان لدخل على رأسه وهو في المسجد فأرجله " . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة ، قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه وهو مجاور في المسجد وأنا في حجرتي وأنا حائض ، فأغسله وأرجله " . حدثنا سفيان ، قال : ثنا ابن فضيل ، ويعلى بن عبيد ، عن الأَعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة عن عائشة قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف فيخرج إلي رأسه من المسجد وهو عاكف فأغسله وأنا حائض " . حدثني محمد بن معمر ، قال : ثنا حماد بن مسعدة ، قال : ثنا مالك بن أنس ، عن الزهري وهشام بن عروة جميعا ، عن عروة ، عن عائشة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه فأرجله وهو معتكف " . فإذا كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا من غسل عائشة رأسه وهو معتكف ، فمعلوم أن المراد بقوله : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ غير جميع ما لزمه اسم المباشرة وأنه معني به البعض من معاني المباشرة دون الجميع . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان مجمعا على أن الجماع مما عنى به كان واجبا تحريم الجماع على المعتكف وما أشبهه ، وذلك كل ما قام في الالتذاذ مقامه من المباشرة . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها يعني تعالى ذكره بذلك هذه الأَشياء التي بينتها من الأَكل والشرب والجماع في شهر رمضان نهارا في غير عذر ، وجماع النساء في الاعتكاف في المساجد . يقول : هذه الأَشياء حددتها لكم ، وأمرتكم أن تجتنبوها في الأَوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها وحرمتها فيها عليكم ، فلا تقربوها وابعدوا منها أن تركبوها ، فتستحقوا بها من العقوبة ما يستحقه من تعدى حدودي وخالف أمري وركب معاصي . وكان بعض أهل التأويل يقول : حدود الله : شروطه . وذلك معنى قريب من المعنى الذي قلنا ، غير أن الذي قلنا في ذلك أشبه بتأويل الكلمة ، وذلك أن حد كل شيء ما حصره من المعاني وميز بينه وبين غيره ، فقوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ من ذلك ، يعني به المحارم التي ميزها من الحلال المطلق فحددها بنعوتها وصفاتها وعرفها عباده . ذكر من قال إن ذلك بمعنى الشروط : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : أما حدود الله فشروطه . وقال بعضهم : حدود الله : معاصيه . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يقول : معصية الله ، يعني المباشرة في الاعتكاف . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني تعالى ذكره بذلك : كما بينت لكم أيها الناس واجب فرائضي عليكم من الصوم ، وعرفتكم حدوده وأوقاته ، وما عليكم منه في الحضر ، وما لكم فيه في السفر والمرض ، وما اللازم لكم تجنبه في حال اعتكافكم في مساجدكم ، فأوضحت جميع ذلك لكم ، فكذلك أبين أحكامي وحلالي وحرامي وحدودي وأمري ونهيي في كتابي وتنزيلي ، وعلى لسان رسولي صلى الله عليه وسلم للناس . ويعني بقوله : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يقول : أبين ذلك لهم ليتقوا محارمي ومعاصي ، ويتجنبوا سخطي وغضبي بتركهم ركوب ما أبين لهم في آياتي أني قد حرمته عليهم ، وأمرتهم بهجره وتركه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني تعالى ذكره بذلك : ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل . فجعل تعالى ذكره بذلك أكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل ، ونظير ذلك قوله تعالى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بمعنى : لا يلمز بعضكم بعضا ، ولا يقتل بعضكم بعضا ؛ لأَن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة ، فقاتل أخيه كقاتل نفسه ، ولامزه كلامز نفسه ، وكذلك تفعل العرب تكني عن أنفسها بأخواتها ، وعن أخواتها بأنفسها ، فتقول : أخي وأخوك أينا أبطش ، تعني أنا وأنت نصطرع فننظر أينا أشد ، فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه ، لأَن أخا الرجل عندها كنفسه ؛ ومن ذلك قول الشاعر :